محمد هادي معرفة

207

التمهيد في علوم القرآن

يروى عن فروة بن مسيك : أنّه سأل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) أو سمع رجلا يسأله ( صلى اللّه عليه وآله ) عن سبأ : جبل أم أرض ، رجل أم امرأة ؟ فنزلت الآيات ، وكان هذا السؤال بعد مرجعه من غزو قبائل سبأ ، أرجعه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) لأنّه لم يؤمر بذلك « 1 » . قال ابن الحصار : وهذا يدلّ على أنّ نزول الآيات كان بالمدينة ، لأنّ مهاجرة فروة كانت بعد إسلام ثقيف سنة تسع من الهجرة « 2 » . لكنه قال بعد ذلك : ويحتمل أن يكون قوله : « وانزل في سبأ ما انزل » حكاية عمّا تقدّم نزوله قبل الهجرة بمكة ، لا نزوله حينذاك . قلت : لو صدقت القصة لا بدّ من حمل قوله في ذلك على الحكاية ، إذ يبعد جدا نزول آية أو آيات لمجرد سؤال رجل كان جوابه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) كافيا لارضاء حسّ استطلاعه - كما جاء في الرواية - ولم يستدع تفصيلا تعرّضت له الآيات . على أنّ ملاحظة عبرى بشأن قصة سبأ كما وردت في القرآن تكفي للدلالة على أنّ الهدف منها عامّ كسائر القصص الواردة في القرآن تروم توجيه البشريّة إلى معالم السير الصحيح ، تنبيها لها على مواضع الخطأ في حياتها الغابرة لتأخذ منها درسا تسير عليه في حياتها الحاضرة . والصحيح في قصة فروة بن مسيك : أنّه سأل النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) عن قصة سبأ بعد أن قرأها في القرآن ، فسأله ( صلى اللّه عليه وآله ) عن سبأ أرجل هو أم امرأة ، أم هو اسم أرض أم جبل ؟ فشرح له النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) أنّه رجل من العرب كان له من الأولاد كذا وكذا « 3 » . وهذا يدلّ على تأخّر السؤال عن نزول الآيات .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 8 ص 386 . وجامع البيان : ج 22 ص 53 . والدر المنثور : ج 5 ص 231 . ( 2 ) الاتقان : ج 1 ص 16 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 8 ص 386 .